الحلبي

556

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

الثالثة ابني الخالة يحيى وعيسى » كما مر « ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة فاستفتح جبريل ، قيل : من هذا ؟ قال : جبريل ، قيل : ومن معك ؟ قال محمد ، قيل : وقد بعث إليه ؟ قال : قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بإدريس فرحب بي ودعا لي بخير » وفي رواية « قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح » . وفي رواية قتادة « مرحبا بالابن الصالح » قال بعضهم : وهو القياس ، لأنه جده الأعلى لأنه من ولد شيث ، بينه وبين شيث أربعة آباء ؛ أرسل بعد موت آدم بمائتي سنة . وهو أول من أعطي الرسالة من ولد آدم ، وهو يقتضي أن شيثا لم يكن رسولا . ونوح من ولده ، بينه وبينه ابنان ، فإدريس في عمود نسبه صلى اللّه عليه وسلم ، وحينئذ يكون قوله بالأخ الصالح في تلك الرواية محمول على التواضع منه ، خلافا لمن تمسك بذلك . على أن إدريس ليس جدا لنوح ولا هو من آباء النبي صلى اللّه عليه وسلم ، قال اللّه عز وجل وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا ( 57 ) [ مريم : الآية 57 ] أي حال حياته لأنه رفع إلى السماء . قيل من مصر بعد أن خرج منها ودار الأرض كلها وعاد إليها ودعا الخلائق إلى اللّه تعالى باثنتين وسبعين لغة ، خاطب كل قوم بلغتهم وعلمهم العلوم . وهو أوّل من استخرج علم النجوم : أي علم الحوادث التي تكون في الأرض باقتران الكواكب . قال الشيخ محيي الدين بن العربي : وهو علم صحيح لا يخطئ في نفسه ؛ وإنما الناظر في ذلك هو الذي يخطئ لعدم استيفاء النظر . ودعوى إدريس عليه السلام الخلائق يدل على أنه كان رسولا . وفي كلام الشيخ محيي الدين : لم يجئ نص في القرآن برسالة إدريس بل قيل فيه صديقا نبيا . وأول شخص افتتحت به الرسالة نوح عليه الصلاة والسلام ، ومن كانوا قبله إنما كانوا أنبياء كل واحد على شريعة من ربه ، فمن شاء دخل معه في شرعه ، ومن شاء لم يدخل ؛ فمن دخل ثم رجع كان كافرا . ومما يؤثر عنه عليه الصلاة والسلام : حب الدنيا والآخرة لا يجتمعان في قلب أبدا . الناس اثنان : طالب لا يجد ، وواجد لا يكتفي . من ذكر عار الفضيحة هان عليه لذتها . خير الإخوان من نسي ذنبك ومعروفه عندك . وقد قبضت روحه في هذه السماء الرابعة فصلت عليه الملائكة ، ومدفنه بها ، تصلي عليه الملائكة كلما هبطت . وحينئذ لا يقال : من كان في السماء الخامسة والسادسة والسابعة أرفع منه . على أنه قيل لما مات أحياه اللّه تعالى وأدخله الجنة ، وهو فيها الآن : أي غالب أحواله في الجنة ، فلا ينافي وجوده في السماء المذكورة في تلك الليلة ، لأن الجنة أرفع من السماوات ، لأنها فوقها السماء السابعة ، ولا ما جاء في الحديث أنه في السماء حيّ